محمد بن صالح الكناني
16
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان
فيقول : يا ربّ إنّ فلانا نازع فلانا ، وادّعى عليه بكذا ، ورافعه إليّ فأنكره ، فسألته البيّنة فأحضرها ، وشهدت له ، وزكيت ، وأشرف على أن أخذ له بحقه منه ، اللهم فنجني منه ، وكان إذا جلس الخصمان بين يديه يقول في سرّه : هذا جاء يتكلم في كذا ، فيكون كذلك ، وربما نظر إلى رجل لم يره قط قبل ذلك فيقول : هذا فلان فيتبين كذلك . قال الحربي : وهذا من فراسته لما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » « 1 » . وقال : وكان رضي اللّه عنه إذا ضاقت نفسه من الجلوس بالدار ، يخرج ويجلس على دكّانة العلوي ، فإذا مرّ أحد وهو جالس ، إذا كان ذلك المار راكبا ينزل ماشيا هيبة له ، وبعض الناس يرجع ، وبعض يمر على حاله ، خجلا ، فإذا رأى ذلك من الناس ، قام ودخل الدار . وحكى هو عن نفسه في معالم الإيمان قال : كنت كثير الزيارة لقبر الشيخ أبي محمد عبد اللّه بن أبي زيد « 2 » رضي اللّه عنه ، والجلوس بداره فحفظت فيها كثيرا من ابن الحاجب ويغلب على ظني ما فتح اللّه عليّ إلّا بملازمتي للدعاء عند قبره وعند قبر الشيخ أبي الحسن القابسي « 3 » وغيرهما رضي اللّه عنهم . ولي رحمه اللّه تعالى الإمامة والخطبة بجامع الزيتونة بالقيروان ، وعمره إذ ذاك واحد وعشرون عاما ، قدّمه شيخه أبو القاسم البرزلي رضي اللّه عنه بعد التأهيب يوم الجمعة ، فخطب من ورقة بيده ، وفي الجمعة الثانية ؛ ألّف خطبة ، وخطب بها ، فبكى النّاس منها ، وتمادى ، هكذا يخطب في كل جمعة بخطبة جديدة ؛ وكان أهل باجّة لما ولي قضاءها وخطبتها ، يأتون للجامع يوم الخميس يظنونه جمعة وانتهى حاله أنه لو قيل له وهو فوق المنبر حين يريد الخطبة : اخطب بخطبة جديدة لفعل ذلك ، وكان من صغره يعرف بكثرة النقل ، والحفظ ، والعلماء يسمّونه بحافظ المذهب .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في السنن ، كتاب تفسير القرآن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( 16 ) باب ومن سورة الحجر ، حديث ( 3127 ) ، وقال الترمذي : هذا حديث غريب نعرفه من هذا الوجه . للتعقيب عن هذا الحديث انظر : المقاصد الحسنة للسخاوي ص : 38 رقم ( 23 ) ، وكشف الخفاء للعجلوني 1 / 42 رقم ( 80 ) ، وقد ضعفه الألباني وذكره في ضعيف سنن الترمذي ص : 387 ، والسلسلة الضعيفة رقم ( 1821 ) . ( 2 ) هو أبو محمد عبد اللّه بن أبي زيد عبد الرحمن النفزي القيرواني المتوفى سنة 386 ه ، صاحب كتاب متن الرسالة المشهورة في الفقه . انظر ترجمته في : معالم الإيمان رقم ( 239 ) مع ذكر مصادر ترجمته في الهامش . ( 3 ) ترجم في معالم الإيمان رقم ( 264 ) .